الرئيسية / الفعاليات العلمية / المدرسة الأمامية والبناء التشريعي والقضائي للثورة الصناعية الرابعة

المدرسة الأمامية والبناء التشريعي والقضائي للثورة الصناعية الرابعة

المدرسة الأمامية والبناء التشريعي والقضائي

للثورة الصناعية الرابعة

                                                            المستشار . أ . د . رياض ابو سعيدة

          الثورة الصناعية الرابعة هي التسمية التي اطلقها المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس , سويسرا عام 2016 على الحلقة الاخيرة من سلسلة الثورات الصناعية , التي هي قيد الانطلاق حاليا .

           تغييرات كبيرة احدثتها في حياتنا الثورات الثلاث السابقة التي بدأت في اواخر القرن الثامن عشر , تمثلت بتطور الحياة الزراعية البدائية على حياة تعتمد التكنولوجيا على المستويين الفردي والمجتمي, وستغير الثورة الجديدة التي هي في باكورة بدايتها , الطريقة التي نعيش ونعمل ونرتبط بعضنا بالبعض الاخر بها .

           ان حجم التحول ونطاقه يختلف عما شهدته المعمورة من قبل وهو ما اكده : كلاوس شواب المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى في مستهل جدول اعمال مؤتمر 2019.

            احدث الاختراق التكنولوجي , الذي شهدته الثورات الثلاث السابقة , نقلة في انماط الاقتصاد والانتاج وكذلك في الحياة الاجتماعية والفردية والبيئة الطبيعية والبيئة البشرية على مستوى العالم باجمعه .

             تعد الثورة الصناعية الاولى 1784 , تحولا كبيرا حصل بفعل اختراع المحرك البخاري في الربع الاخير من القرن الثامن عشر , باستعمال قوة البخار لاداء عمل ميكانيكي بواسطة الحرارة , مما نتج عنه حل آلات البخار محل اليد العاملة وحلت الطاقة الميكانيكية مكان طاقة الحيوان والجهد العضلي للبشر والكتلة الحيوية للطاقة كالحطب وغيره .

           مما ادى الى نمو صناعة الفحم والحديد والنسيج وبدأ توسع المدينة نتيجة توسع الصناعات الكبيرة وتراجع نمط الانتاج التقليدي السابق .

           في اواخر القرن التاسع عشر , اوجد الكهرباء والانتاج الشامل في خطوط التجميع , الثورة الصناعية الثانية 1870 , بعد ان استحدث محرك الاحتراق الداخلي , الذي اوجد نقلة كبيرة في مجال النقل كالمركبات والطائرات وغيرها وحل البترول مصدرا اساسيا للطاقة وتم انتاج السلع الاستهلاكية بكميات كبيرة ونشوء مايعرف بالمجتمع الاستهلاكي .

            في النصف الثاني من القرن العشرين , بعد التطور الملحوظ في تخزين المعلومات ومعالجتها نتيجة ظهور الكمبيوتر – الحاسب الآلي – , احدثت برمجة الشبكات ومعالجات الانترنيت والرقمنة المعاصرة , الثورة الصناعية الثالثة , وحلت برمجة الآلة ورقمنتها محل اليد العاملة , الى جانب التقدم الملحوظ في الاتصالات .

           تمثل الثورة الصناعية الثالثة 1969 الرقمنة البسيطة التي انطلقت منها الثورة الصناعية الرابعة . والتي تمثل الرقمنة الابداعية القائمة على الاختراقات التقنية المتفاعلة بخوارزميات مبتكرة , مبتدأة بذلك باكورة اختيارات غير محددة من ولوج عالم التكنولوجيا في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات , وانترنت الاشياء , والمركبات ذاتية القيادة , والطباعة ثلاثية الابعاد , وتكنولوجيا النانو , والتكنولوجيا الحيوية , وعلم المواد , والحوسبة الكمومية وسلسة الكتل Blok chain  وغيرها . الامر الذي يؤدي الى دمج التقنيات المادية والرقمية والبيولوجية وطمس الخطوط الفاصلة بينها , مما يجعل من التكنولوجيا جزء لا يتجزء من المجتمع بل بافراد المجتمع كما في المدن الذكية وارتباط حركة الفرد والمجتمع بالشبكة وتكنولوجيا الفضاء الخارجي , فضلا عن تقنية التعديل الجيني ( الجينوم البشري ) والاشكال الجديدة للذكاء الاصطناعي .

           لفتح مجالات لامحدودة من المعرفة والاشكال المختلفة من تكنولوجيا الاتصالات الحديثة , تمثل الثورة الصناعية الرابعة مستقبل الحضارة الانسانية في اعلى مستوياتها .

           فاذا كانت الثورة الصناعية الثاثلة تمثل التحول الرقمي البسيط , فان الثورة الصناعية الرابعة تمثل التحول الرقمي الشامل للامتدادات الملموسة والتامة في التعامل الافتراضي مع من يتعامل ضمن سلسلة القيمة .

          لتعزيز انظمة الروبوتات وحلول الذكاء الاصطناعي للانتاجية وخفض التكاليف وتحسن جودة ونطاق توزيع المنتجات , فضلا عن تصدير الثورة الصناعية الرابعة , فإن كبرى اقتصاديات العالم من الدول كالولايات المتحدة و اليابان والصين وفرنسا والمانيا , تسير بشكل مضطرد في ركاب هذا التقدم التكنولوجي من خلال تخصيصها الموازنات الضخمة للبحث العلمي والتطوير وفقا لدليل الانفاق العالمي لانظمة الذكاء الاصطناعي , اذ نجد ان الانفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي سيصل الى 97,9 مليار دولار عام 2023 مقارنة ب 37,5 مليار خلال عام 2019 وصولا الى ترليون دولار عام 2030 .

             بات على الدول العربية , لاسيما العراق الجديد , الاسراع في انجاز خطوات تساعد على عملية التحول للثورة الصناعية الرابعة والاستفادة من معطياتها لجوانب الحياة كافة ؟ بالاخص ما يتعلق بالجانب الاقتصادي فضلا عن الجوانب الاجتماعية والثقافية مع الاخذ بلحاظ الاعتبار ما يتعلق بموائمة ومواكبة القاعدة القانونية لماتقدم وفقا لما تتميز به الثورة الصناعية الرابعة من سرعة في الايقاع وتنوع في جوانب الفرص وتحسين جودة الخدمات المقدمة الامر الذي يهيء نمطا جديدا في الحياة وفي السلوك الانساني للتعايش .

           مؤكدين في ذات الاتجاه على اهمية التدريب والاعداد والتخطيط الدقيق , المادي والبشري والفكري لاجل مواكبة المتغيرات المرافقة لهذه الطفرة المعلوماتية التكنولوجية بشكل متميز وفاعل , لذا وبناء لما تمت الاشارة اليه نتسائل : عن الخطوات الواجبة للعمل على تحقيقها كي تواكب الدول العربية والعراق الجديد بشكل خاص , المتغيرات المتأتية من الثورة الصناعية الرابعة والافادة قدر الممكن من فرصة فاعلة للمجتمع العربي والعراقي لتحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية وكذلك ثقافية مما يشكل نمطا جديدا في الحياة وفي اساليب المعيشة في ظل الثورة الصناعية الرابعة ؟

             هاهي المملكة العربية السعودية اضحت الرائدة في هذا التوجه, بعملها بكل جد واجتهاد على تكريس التكنولوجيا لديها في اغلب المفاصل والقطاعات , وتم توقيع اتفاقية بين المملكة العربية السعودية والمنتدى الاقتصادي العالمي لانشاء فرع لمركز الثورة الصناعية الرابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي في المملكة , والذي يعد الخامس على مستوى العالم .

            نتج عن ذلك انشاء خامس مركز في العالم , للثورة الصناعية الرابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي في المملكة , لكي تتم اتاحة امكانية التقارب وتبادل الخبرات مع مختلف اجهزة الدولة والمؤسسات العالمية والشركات ذات العلاقة وتنشأ بذلك باكورة التعاون بين المنتدى الاقتصادي العالمي ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية , الامر الذي يؤدي بالمملكة الى الانصهار والتداخل في شبكة الثورة الصناعية الرابعة العالمية مع دول مثل اليابان والهند والصين .

            مصداق ذلك نجد ان المملكة العربية السعودية وقعت في منتدى دافوس اوائل 2019 مجموعة من مذكرات التفاهم مع الشركات العالمية للمضي قدما مع دول العالم المتقدمة الى الثورة الصناعية في تاسيس بداية عملية التحول الرقمي .

             ضمن النزعة الاستراتيجية لهيمنة الصناعة والمشاركة في زيادة محتواها من خلال رؤية العالم ل 2030 وبخطوات مدروسة للنهوض بالصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية , استضافت المملكة العربية السعودية في شهر نوفمبر 2019 مؤتمر تحت عنوان ” مصنع المستقبل ” بمشاركة 19 جهة مختصة محلية واقليمية وعالمية رائدة في المجال التقني والتكنولوجي والصناعي .

             المنطقة بحاجة الى :

–         نقلة صناعية تواكب دول العالم التي بدأت تنفيذ هذه المرحلة . بحاجة الى برنامج وطني للتحول الرقمي , قدر المستطاع لاسيما ما يتعلق بالقطاع الخاص , فضلا عن برنامج توطين الثورة الصناعية الرابعة لتهيئة منظومة اكثر قدرة على تجهيز التقنيات مما يساعد متطلبات هذه النقلة الصناعية .

–         أهمية أغتنام فرص القرن الحادي والعشرين فيما ينصب بالجوانب الاقتصادية والتنموية بشكل فعال ومستدام .

            رغم اعتماد هذا التقدم العلمي الرابع على البنية التحتية وتقنيات ماسبقه من  ثورة صناعية ثالثة , الا ان مقاربات جديدة للحوكمة تعتمد على طرق تشفير مبتكرة نثل سلسلة الكتل ستطفو للساحة بما يجعل من المستثمر والمستهلك والمواطن , الذي يتبنى هذه التقنيات شريكا في صنعها وتطويرها .

            هناك ترقب وحذر شديد حول مسألة امكانية اختفاء بعض الوظائف لصالح الروبوتات والذكاء الاصطناعي مع الاخذ بلحاظ الاعتبار , ان قطاع الخدمة قد استوعب نسبة الوظائف التي اختفت من الصناعة والزراعة , ابان الثورة الصناعية الثالثة .

           يبدو ان الوظائف  في الدول النامية ستكون اكثرمن تلك التي في الدول المتقدمة , حسب التقدم العلمي في مجالات الانتاج والاتمتة .

           تتطلب الثورة الصناعية الرابعة ادوات وآليات مغايرة للمسائل العادية للنهوض في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية من خلال زيادة الاستثمار في مجال التكنولوجيا المستحدثة والاستثمار في رفع القدرة التعليمية المعاصرة  للتكنولوجيا الجديدة .

           ما يتعلق في البني الاقتصادية والبنى الاجتماعية فانها ستتعرض الى تغيير جذري وسريع في ظل ماوصلت اليه المعمورة من مقدمات الثورة الصناعية الرابعة , التي تعد اكثر شمولا وسعة مما سبقها من ثورات علمية صناعية , فأنها تعتمد على العالم الافتراضي والانترنت المتحرك و وتطور اجهزة الاستشعار لتكون اكثر قوة واقل كلفة مرتكزة في ذلك على الذكاء الاصطناعي والتحول الآلي مسهمة في في تقدير ملحوظ مابين السلاسل الجينية وتقنية النانو وبين الطاقة المتجددة باندماج تلك التقنيات وتفاعلها ماديا ورقميا وبيولوجيا الامر الذي يجعل من الثورة الصناعية الرابعة لاتمثل امتدادا لما سبقها من ثورات وانما ثورة معطاء جديدة ومتميزة .

            اصبحت التقنيات الناشئة عن الثورة الصناعية الرابعة , الذكاء الاصطناعي (AL) والتعلم الآلي (ML) , والتكنولوجيا الحيوية وتحرير الجينات , وانترنت الاشياء ( LOT )  , جزء من امن وسعادة ورفاهية الرؤية المجتمعية وعالم اليوم المتصف بالفضاء الافتراضي , مما يبرز تقاربا ملحوظا بين العالمين المادي والرقمي عما سبقه من فترات مضت .

           يفرض ما تم بيانه فيما تقدم على الدول والحكومات والسلطات القابضة الاسراع بالمبادرة الى رسم وبناء آلية تتبنى تغييرجوهري لانظمة الحكم فيها وفي سلطاتها العامة والعمل على قيام التوازن مابين النفع العام والمصلحة الخاصة , نحو المتطلبات والواقع الجديد لمعطيات الثورة الصناعية الرابعة الى جانب اهمية مواكبة السياسة التشريعية والفكر القانوني من تشريعات وقوانين وضعية لواقع المجتمع القادم لتواكب بذلك القاعدة القانونية , المستجدات وتحقق الهدف منها في قيام واستقرار امن ورفاهية مجتمعاتها لجميع انحاء العالم , وبذلك ينعكس ما تمت ملاحظته ايجابيا على تطور الصناعات في مجالات الرعاية الصحية والنقل والطاقة والزراعة والتصنيع والتجارة بما توفره التقنيات الجديدة الناشئة عن هذه النهضة ( القفزة ) العلمية الصناعية من كفاءات متزايدة وزيادة في قلة التكلفة وبما تقدمه المركبات ذاتية القيادة من الحد من حوادث المرور وما يوفر الطب الدقيق من امكانات جديدة لعلاج الامراض وبما يمهد انترنت الاشياء الى المدن الذكية الموفرة للطاقة  . مع لحاظ ان ما تقدم من تقنيات لها الامكانية على التزام صحة المجتمع واكثر امنا لفترة اطول .

           الاعتماد على التخطيط الاستراتيجي لاجل بلورة مسار شامل لمواجهة المتغييرات القادمة من الاجدر ان يستندعلى رؤية شاملة لكل الجوانب بمراقبة  وتقييم  موضوعي  وممنهج  ومستمر بما يماثل  الدول الاخرى في مجال التصنيع المتأتي من التكنولوجيا المستحدثة .

          فضلا عن اهمية تاسيس بيئة ضرورية لانجاح الثورة الصناعية الرابعة واستثمار ذلك في البنية التحتية الرقمية كالاتصال واسع النطاق , وانشاء القواعد القانونية وسن التشريعات والمعايير الصناعية بما يعزز جانب الملكية الفكرية وملكية البيانات والمشاركة والبيع للاستعمال التجاري , يلزم العمل على سن تشريعات تنمي القدرات الرقمية وتعزز انتاجية المصانع الصناعية عبر انشاء وتطوير المدن الصناعية للوصول الى مصادر الدخل غير البترولية كالصناعات المختلفة المدنية والمركبات والصناعات الطبية والزراعية والاستزراع السمكي والتركيز على مستقبل الطاقة وتعزيز الرعاية الصحية والنظم المالية والنقدية .

نحن بحاجة الى :

·        استنساخ التجارب الناجحة .

·        استقدام التكنولوجيا المتقدمة .

·        تطوير القطاعات الصناعية والمساهمة الفاعلة في قطاعات البناء  والسياحة وغيرها .

·        أهمية وضع خطة جادة وواقعية لقيام التحول الرقمي بما يتماشى مع رؤية العالم 2030 والتي تركز على استثمارات عدة منها :

–         انشاء وتمويل مصانع من شأنها المساعدة في عملية التحول الرقمي الكامل للعمليات التصنيعية لتسريع القدرات الصناعية الرقمية .

–           تأمين أهمية تعزيز انتاجية المصانع لتنفيذ تلك المدن الصناعية ومشروعاتها المتطورة بما يؤمن تعدد مصادر الدخل غير البترولية .. .

–         برنامج وطني انتاجي للمساعدة بالنهوض بالمصانع لاجل تحقيق اعلى معدلات الكفاءة الانتاجية من خلال وضع خطط لاجل البدأ بعملية التحول لتطبيق مبادىء التميز التشغيلي وتبني تقنيات الثورة الصناعية الرابعة لتطبيقها على مائة ( 100 ) مصنع قائم لتصبح أنموذجا يقتدى به , ذلك بالشراكة مع صندوق التنمية الصناعية السعودي ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية .

–         دعوة الشركات في المنطقة العربية الى استعمال تقنيات الجيل الرابع الصناعية , كالمصانع الرقمية , اذ ستصيح عمليات تتبع المنتجات , من خلال القطاع الخاص  , وتشجيعه الاجراءات وأتمتة العمليات , والتغذية ذات المرجعية الرقمية , هي الاساس وطريقة العمل المعتمدة الى جانب اهمية العمل على استعمال التقنية القائمة على الاسقاط الدقيق لاحداثيات المواقع لتتبع مسارات المستهلكين والمنتجات , فضلا عن امكانية دراسة عدد المرات التي زار فيها المستهلكون المتاجر , وتحديد تواجد الزبائن , مما يتيح امكانية جمع المعلومات وانشاء قاعدة بيانات ضخمة يمكن تحليلها واستعمالها لتحسين المنتجات ومبيعاتها .

–         تأكيد اهمية مواكبة الشركات والمصانع في القطاع الخاص , باعتمادها ثقافة العالم الافتراضي والبيئة الرقمية العامة والخاصة , دون الاخذ بمبدأ الفكر الاشتراكي الشمولي , التعليم المستدام والتنمية البشرية الذاتية المستوحاة من فكر ومبادىء الشريعة الاسلامية السمحاء والمتأتية من التجارب الناجحة للشعوب المتقدمة .

التعليم واستثمار القوى البشرية :

          تساهم عملية تطوير المنظومة الاكاديمية في زيادة وتيرة التقدم الاقتصادي وتوفير فرص عمل في المستقبل , من خلال التأكيد على تزويد الافراد بالمعرفة والمهارات اللازمة لمواجهة التحولات الرقمية المشار اليها بالنسبة الى رأس المال البشري مع اهمية المساهمة , من جهة الاخير , في خلق مجتمع ينعم بالمساواة الانسانية والاستدامة .

          بالتزامن مع متابعة ما ينشأ عن تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة من الضغوط الجديدة على سوق العمل , بلحاظ ضمانة حصول الافراد على فرص وظيفية من خلال استدامة المنافسة في عالم العمل الحديث , بعد ان يتم اصلاح منظومة التعليم والتعلم مدى الحياة وشمول الافراد بعمليات اعادة التدريب على المهارات المستحدثة . مما يهيء للقطاعين العام والخاص امكانية توافر وتهيئة المواهب التي تنهض بالمستقبل الجديد الناشىء عن نظام التحول الرقمي مع احتمالية زيادة بعض الوظائف عن الحاجة نتيجة التحول الى العمل الآلي .

          الا ان الخطوات المستحدثة وطرق العمل الجديدة يمكن ان تخلق 133 مليون وظيفة جديدة نتيجة التنمية الشاملة الجديدة بناء على تقرير مستقبل الوظائف في الشرق الاوسط لعام 2018 الذي توقع الاستغناء عن 75 مليون وظيفة في 20 اقتصادا رئيسيا . الا ان النمو المتوقع لفرص العمل الجديدة والتي تربو على 133 مليون فرصة في مجالات المنتجات والخدمات الجديدة , تسمح للافراد العمل مع الآلات والاجهزة لتلبية متطلبات التحولات الديموغرافية والتغييرات الاقتصادية . ولاجل ما تقدم جاءت الحاجة الى تعلم المهارات الجديدة ومتابعة متطلبات تحول الانظمة وما يرافقه  من امتهان المهارات المقتضية لذلك بتفعيل التعليم المستدام مدى الحياة باقصى صوره الممكنة .

التحديات والفرص :

           من يستفاد من هذه الثورة هو المستهلك القادر على الدخول لعالم التحول الرقمي الى جانب اعتماد المكاسب طويلة الاجل في الكفاءة والانتاجية .

            يبدو ان الموهبة وليس رأس المال سيكون الفيصل في الانتاج بسبب حلول الذكاء الاصطناعي محل الايدي العاملة البشرية في اغلب اوجة النشاطات الاقتصادية .

            سيتم فتح اسواق جديدة تدفع عجلة النمو الاقتصادي بعد ان تقل تكلفة التجارة وتكون الخدمات الاساسية وسلاسل التوريد العالمية اكثر فعالية وتنخفض تكاليف النقل والاتصالات .

            ماتقدم ليس مؤداه عدم الاعتماد على العامل البشري اذ ان اغلب المهارات البشرية هي ذات قيمة انتاجية عالية كالقيادة والابداع والذكاء العاطفي والسلطات التقديريه وسيكون اثرها واضحا ومؤثرا رغم اهمية الذكاء الاصطناعي وعلم الروبوتات على مستقبل الغد , من ذلك تاتي جدية الاهتمام للفرد والانظمة ( الدول ) بتأهيل وتطوير المهارات لتاخد دورها المحوري ضمن مفردات القوى العاملة لقوادم الايام . وعلى الحكومات في ذات الاتجاه وقطاعاتها المختصة لاسيما التعليم , المساهمة في دعم القطاع الخاص واعانته في ذلك , ليكون الموقف الحكومي حاضرا بالمساندة في عملية التحول الرقمي المنشودة , باعداد البرامج التدريبة المبتكرة بانواع التدريب الجديدة لاجل مواكبة المتغييرات المستحدثة الناشئة عن التكنولوجيا المعرفية آنفة الذكر لاسيما ما يتزامن والمهارات المبتكرة بلحاظ الرؤية المعاصرة لما يستجد في عالم الغد .

التعليم والثورة الصناعية الرابعة :

           الاقتصاد الصناعي ( الاتمتة الحالية ) هو النظام الذي يرتكز عليه التعليم والاخير وبشكل ملحوظ يساير التقدم العلمي و التطورات الحاصلة والمرتقبة , من خلال الاكتشاف العلمي والكتابة الابداعية وريادة الاعمال ( الشؤون الخلاقة ) فضلا عن العلاقات الاجتماعية التفاعلية , نظرا الى فقدان الروبوتات في المدى المنظور الذكاء العاطفي الذي يتمتع به البشر , الى جانب البراعة البدنية والحركة الرياضية التي فطر الانسان عليها .

          مما تم ذكره آنفا يمكن القول : بامكانية اتمتة العمل وانسنة الوظائف . مع ان وظائف المستقبل ستكون تلك التي لا تستطيع الآله القيام بها , لذا يلزم ان نلحظ الوظائف التي ستظهر , قدر تعلق ذلك بواقع التعليم ومستقبله . ومن الضرورة بمكان تحول النظام التعليمي , اذ ان الآلات الذكية يمكنها اخذ مكان اساتذة النظام التعليمي التقليدي ( الحالي لدى اغلب البلدان ) اذ ما استمر كما هو , فالكتب المنهجية باتت لاتساير المستجد والمستحدث ولم يتم تحديثها وتعد التدريس مجرد ايصال معرفة من خلال توجيهها , بدلا من تصميم المعرفة وابداعها , عليه تجد الدراسة  : ان الامي في ظلال هذا العالم الجديد هو من لايستطيع التعلم او من لا يستطيع التخلي عما تعلمه ولا يستطيع اعادة التعلم وهو ماذهب الية الفين توفلير في كتابه ( صدمات المستقبل ) .

          وفقا لما سبق بيانه , ستطفو حقائق جديدة منها :

–         فضلا عن البر والبحر والجو , هناك مسرح استراتيجي للصراع هو الفضاء الالكتروني . وسيكون الدماغ في المستقبل مسرحا جديدا للصراعات . وستستقطب الناس , عشرات المنصات من انواع السوشل ميديا مثل الفيس بوك وتويتر وغيرها .. . وستفرض اعرافا وسلوكيات مختلفة .

–         ستتوسع الثورة الصناعية اللرابعة بشكل ملحوظ بتقنياتها الناشئة , في المجال البيولوجي و ستكون الادوات التكنولوجية جزء لا يتجزء من داخلنا وعلى مستوى تركيبنا الجيني , ومن المتوقع ان تصبح متاحة خلال جيل واحد فقط  .

          تجد المطالب المتقدمة , ان الارتكاز على التقدم المعلوماتي التقني بكل جوانبه العلمية والتنولوجية , بما يؤسس لبناء مدرسة فقهية قانونية , يعد بمثابة نواة لبناء سياسة تشريعية واجتهاد قضائي , يستمد ويستند الى عقيدة اسلامية معطاء ذات مدرسة تتصف بالاعتدال الشامل والمستدام لكل جوانب الحياة بما يحقق ويواكب الثورة الصناعية الرابعة  وما يستتبعها من نهضة وتقدم علمي وتقني لعالم اليوم ومستقبل الغد , وهو ماتؤكده الدراسة باهمية وجدارة اعتماد مدرسة الامام جعفر الصادق صلوات الله وسلامه عليه التي غرست بذرتها الاولى بعيدا عن الدائرة الحكومية  والاجواء الرسمية , فلم تنعكس فيها مشيئة الحكام ولا اتجاهاتهم مما جعل البناء الفكري للمدرسة الامامية بناء محايدا عن المؤثرات غير العلمية متصفا بالموضوعية  المستوعبة لكل المجالات المعرفية لمنظومتها الفكرية والعقائدية وعلى طول الخط لم تتوقف  حركة البحث فيها عند موقع زماني معين ولم يحدد باب الاجتهاد عند الاجتهاد الفقهي بل شمل كل دوائر المعرفة وهو ما ينتج عنه نمو وتقدم علمي متميز ومتكامل ومتصاعد عموديا , ضمن مدرسة الامامة مدار الدراسة , من جهة ومن جهة اخرى يؤدي الى حيوية تلك العلوم وتفعيلها ومرونتها واخراجها من حالة المراوحة المتصفة بالجمود والانغلاق ضمن الاطار الموروث الى حالة المواكبة والمعايشة في المجالين : النظري والعلمي الذي تمخض عنه تصاعد عمودي لاستمرار حركة البحث العلمي في هذه المدرسة , الى فتح المعضلات وحل المشكل والطرق المغلقة ذات العتمة الشديدة مما سهل من عملية الفهم وتقدم المعرفة العلمية ومهد لبناء دولة المؤسسة القانونية للعدالة المجتمعية المستدامة في الرؤى والفكر الاصولي الامامي , عدة نتائج وتوصيات , لعل اهمها :

أولا / النتائج :

v    اذا كانت الثورة الصناعية الثالثة ركزت على استعمال الالكترونيات وتقنيات المعلومات لأتمتة الانتاج , فأن الثورة الصناعية الرابعة تتمحور حول مزج التقنيات التي تلغي الحدود الفاصلة بين كل ما هو فيزيائي ورقمي وبيولوجي في ظل بوتقة من التطورات  التقنية المتسارعة .

v    باتجاه التحول لقطاعات نتاج المعرفة والتقنيات عالية القيمة المضافة , تؤسس الثورة الصناعية الرابعة الى اعادة الهيكلية الشاملة للبنيات الاقتصادية و في مقابل تراجع لمساهمة قطاعات الانتاج التقليدية  بالاخص تلك التي لا تستفيد من التقنيات المصاحبة لتلك الثورة .

v     نظرا للتطورات التقنية التي تنصب على ايجاد بدائل للمواد الخام اقل كلفة واكثر استدامة والموائمة للشواخص البيئية , بما يقضي على عامل الندرة المسبب لارتفاع هذه السلع , ستنخفض اسعار المواد الخام والسلع الاساسية .

v    للتطور الحاصل في مهارات القوى العاملة , وزيادة التراكم الرأسمالي والمعرفي , فضلا عن انتشار وسائل الانتاج الاكثر كفاءة والاستدامة في انتاج السلع والخدمات عالية التقنية والجودة والاكثر ملائمة لاذواق وتفضيلات المستهلكين , ستكون هناك زيادة غير مسبوقة في مستويات الانتاجية والتنافسية مما يجعل قيام ارضية ملائمة للفرص الاستثمارية المرافقة للثورة الصناعية مدار الدراسة , الامر الذي يحتم على المشرع اخذ ذلك بلحاظ الاعتبار لسن التشريعات التي تتلائم والنهوض بالعملية الاستثمارية وبما يحقق فضاء مناسبا لسوق العمل والاقتصاد غير الموجه الموئر في معالجة البطالة بانعاش القطاع الخاص بشى الاوجه والمجالات .

v    اتقان استعمال التقنيات المصاحبة للثورة الصناعية الرابعة ومتغيراتها الافضل في مجال الرعاية الصحية والتعليم وخدمات البنية الاساسية والتحكم في ادارة المدن والمساكن الذكية , سينتج عنه ارتفاع لمستويات الدخول والمعيشة . مما يتسبب في تنخفاض العائد على العمل التقليدي والحرفي خاصة فيما يتعلق بالعمالة غير الماهرة والتي لا تمتلك فرص النفاذ للتعليم القائم على المعرفة والتقنيات المتطورة الامر الذي يتمخض عنه تزايد مستويات التفاوت في توزيع الدخول .

v    يبدو ان هناك مجالا لتعميق فجوة النوع الاجتماعي في ظل التوقعات بان تؤدي تلك الثورة الى فقدان اكبر في الوظائف بالنسبة للنساء لاسيما على ضوء تركيز عمل النساء في القطاعات الاكثر عرضة للتأثر سلبا بهذه الثورة مثل قطاعات الزراعة والصناعة والوظائف المكتبية والادارية . وسيزيد من هذا , المستوى المنخفض لمشاركة المرأة في سوق العمل وتواضع مستوى تمثيلها في قطاعات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات التي تعد بمثابة العمود الفقري للثورة الصناعية الرابعة .

v    من المسلم به , ان ما تقدم سيلقي بظلاله على رؤى ومباني مفاصل المجتمع  وفي مقدمة ذلك الجهات التشريعية والجهات القضائية , للارتباط الوثيق بنشاط الافراد وتنظيم حياتهم المجتمعية ببناء دولة المؤسسة العادلة والملبية لطموح ابنائها .

ثانيا / التوصيات :

§        يجدر بصٌناع القرار والسياسات :

–         تبني استرتيجيات اقتصادية تُبوء الدول العربية لاحداث تحول شامل في بُنيات الاقتصادات العربية وبما يمكنها من تعظيم الفرص المصاحبة لهذه الثورة ومواجهة التحديات الناتجة عنها من خلال التوجة نحو اقتصادات المعرفة .

–         التركيز على بناء أطر قانونية وتنظيمية ومؤسسية تستهدف تشجيع هذا التقدم العلمي والتقني , وضمان بيئة جاذبة للشركات العاملة في هذا المجال تُسهم في تجاوز التحديات التي تواجه الدول العربية في هذا الصدد .

–         العمل الحثيث على الاسراع بعملية التحول نحو الاقتصاد الرقمي لجني ثمار الثورة الصناعية الرابعة وتمكينها من التغلب على المعوقات التي تواجه مسارات هذا التحول .

§        تأمل الدراسة من المشرع العربي وبالاخص المشرع العراقي وصُناع السياسة , أخذ ماتم الوقوف عنده من محاور البحث , بعين الاعتبار والعمل بشكل ملموس وجاد على تبني خطوات أستباقية تجذر لقراءة جديدة متطورة لواقع الغد , لاجل سن التشريعات القانونية وبناء الاجتهادات القضائية فضلا عن  تاصيل القاعدة القانونية , في ظل منابع متميزة ,  ذات منهج معرفي اصيل , تتصف بالتجدد و بالابداع وعدم الجمود , ذات مباني عقلائية الى جانب التزامها الاستدامة ومواكبة مستجدات الحياة  , يستلهم منها كل من التشريع والقضاء ويستقيان مبادئهما ومدرستهما وفلسفة  الفكر القانوني لفن الصياغة التشريعية , بما يحقق رفاهية وسعادة المجتمع ضمن مبادىء ومفاهيم الشريعة الاسلامية السمحاء .

§        السياسة التشريعية والمدرسة الفقهية القانونية فضلا عن القضاء بحاجة الى الاستلهام والاستنارة المتنورة بروح السيرة العقلائية الى جانب الاستقراء المتصف بالاعتدال وروح العصر بعيدا عن الانغلاق الفكري والركود الاستنتاجي الغير المستدام , من مدارس تحمل روحية وسنخ ماتقدم في الفقرة السابقة وماتمت الاشارة الية في الفقرة الحالية . ومن أجدر من ذلك غير مدرسة آل البيت صلوات الله وسلامه عليهم ومن تبعهم باحسان , لاسيما المدرسة الاصولية الامامية بفكرها النير الواسع العطاء المتمكن من احتواء كل المراحل والمستجدات ومواكبتها , بتعايش سلمي قل نظيره , ضمن اصول وعقائد الدين الاسلامي الحنيف . التي تجاوبت وتفاعلت بحياد فكري وعلمي مع كل الجوانب والمحاور المستحدثة لاستدامة الحياة الانسانية , على سبيل المثال :  التجاوب الذي تم مع الفكر الاقتصادي في البنك اللاربوي في الاسلام ومسألة الودائع وما يتفرع عنها من تداعيات مالية واستثمارية وكما تعامل مع النظم الاشتراكية وتحول الانظمة الى الرأسمالية والعكس باعتماد نظام متميز لاشخصية جامدة ولا موضوعية مادية بل بتوازن تام مابين حقوقوواجبات الافراد والصالح العام للجماعة الامر الذي انعكس على الفكر القانوني والعلمي بالابتعاد عن الخطأ معيارا لضمان الضرر للمسوؤلية العقدية او العمل غير المشروع في المسؤولية التقصيرية بعد التعرض لتحمل التبعة والخطر المستحدث ومسوؤلية المتبوع عن اعمال تابعه , معتمدا الضرر منهجا وسطا

, كذلك مايتعلق بمسائل الجينوم البشري وزراعة الاعضاء والاستنساخ البشري واطفال الانابيب والتلقيح الاصطناعي , فضلا عن التجاوب والتعامل مع الطفرة المعلوماتية للفضاء الالكتروني والتعاملات الافتراضية ضمن شبكة المعلومات العالمية , وغيرها الكثير من الجوانب المستحدثة .. . وهكذا تجد هذا القكر ومدرسته المعطاء , يتجدد ويبدع باسهامات أئمته الاطهار صلوات الله وسلامه عليهم  وعلمائه الفقهاء رحم الله الماضين منهم وأدام ظل الباقين المعاصرين , الذين تعاملوا وتعاطوا وواكبوا جميع نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وفق عقائد وأصول دين رسول الرحمة والانسانية محمد ابن عبد الله خاتم الانبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبة الغر الميامين وسلم تسليم كثيرا , وشيدوا اسسا ومباني في مجال مشرعي النص القانوني وصُناع السياسات التشريعية بما يمكنهم من سن قواعد وتشريعات قانونية تنظم شؤون الحياة بما يؤسس لدولة المواطنة القانونية وبما يسمى اليوم ب الدولة المدنية , التي ارسى قواعدها الرسول الاكرم الخاتم الامين محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبة وسلم , في المدينة المنورة أبان قيام بداية دولة حكمه فيها .

والحمد لله رب العالمين

شاهد أيضاً

معاون العميد الاداري يشارك في الندوة العلمية بعنوان (مجزرة سبايكر ابعاد الجريمة وانتهاكات حقوق الانسان وتوثيقها)‏

شارك معاون العميد للشؤون الادارية والقانونية والمالية  في كلية الآثار – جامعة الكوفة الدكتور علاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.