التحف الخشبية الإسلامية في العصر الأموي والعباسي في العراق

من اهم ما وصلنا من نفائس التحف الخشبية باب مزخرف بالحفر الغائر عثر عليه في مدينة تكريت في مطلع القرن العشرين وانتقل بطريقة ما الى اليونان حيث يعد اليوم من اهم المعروضات متحف بناكي بأثينا، وهو من التحف الخشبية المصنوعة في العراق وربما في مدينة تكريت نفسها(لوحة رقم 1).

 

يتألف هذا الباب من مصراعين طولهما (300×120سم) لكنهما الان اقصر مما كانا في البداية لان جزء من اطرافهما السفلية قد قص، وينقسم كل منهما الى ثلاثة مناطق زخرفية، وتضم الزخارف المحفورة في هذا الباب عدة عناصر زخرفية موروثة عن الفن الهلنستي، مثل العروق التي تنبت منها اوراق الشجر ذوات الشكل البيضوي وهي قريبة من الطبيعة مثل العروق التي تلتوي في حلقات حلزونية وتضم اوراق عنب ذوات خمسة او ثلاث فصوص . كما تضم زخارف هذا الباب عناصر بصلية كأسية الشكل، وهي وثيقة الصلة بالفنون الهلنستية والاغريقية ولكنها وجدت ايضا في الفن الساساني. وفصلاً عن ذلك فان تلك الزخارف تضم عناصر زخرفية وثيقة الصلة بالفن الساساني الذي كان منتشرا في العراق مثل كوز الصنوبر والاشرطة المؤلفة من اقراص مثقوبة متلاصقة وعنصر الشرفات المسننة. والخلاصة ان باب بناكي هذا غني بالعناصر الزخرفية الهلنستية مما يناسب الطراز الاموي ولكنه في الوقت نفسه غني ايضا بالعناصر الساسانية مما يؤيد نسبة صناعته الى العراق بالذات. ولا عجب فإننا نعرف ان التحف التي تنسب الى الطراز الاموي تحتفظ بكثير من العناصر الفنية المحلية في الإقليم المصنوعة فيه.

ان رسوم المنطقة الوسطى والمنطقة السفلية من الباب في باب بناكي، فان المنطقة الوسطى مربعة الشكل تقريباً وتملؤها دائرة تضم مربعين متشابكين يؤلفان نجمة مثمنة، وزخارف هذه المنطقة تتألف من حلزونات فيها اوراق عنب خماسية او ثلاثية (لوحة رقم 2). اما المنطقة السفلية فمربعة ايضاً وقوام الزخرفة فيها عقد ذو فصوص وفي محور هذا العقد ساق كأنه جذع شجرة ينتهي في اعلاه بالتواءين كالقرنين يحملان عنصراً زخرفياً بصلي الشكل يملئ الفص الاوسط من العقد. وتملئ العقد عروق منسوجة تخرج منها وريقات نباتية بيضوية الشكل وتملئ فصوص العقد زخارف بصلية و تملئ ركني العقد (الكوشتين) حلزونات يخرج من بعضها من بعض (متشابكة)، وفي كل منها ورقة عنب خماسية الفصوص. ويفصل شريط من الشرفات المسننة بين المنطقة الوسطى والسفلية، والمنطقة العليا مشابهة للزخرفة المنطقة السفلى من الباب، كما ان المصارعين متطابقين من ناحية الزخرفة ايضاً (لوحة رقم 3). لقد نفذت زخارف هذا الباب بواسطة الحفر الغاير والعناصر النباتية نفذت بطريقتين اما غائرة او محدبة، كما ان بعض الاغصان الرئيسية فيها يتوسطها حز قسمها الى قسمين.

وفي متحف المتروبوليتان بنيويورك الواح من الخشب المزخرف على الاغلب من باب او منبر وجدت في مقبرة تكريت (سنة 1929م)، تتألف من اطار واربع حشوات اثنان منها مربعة واثنان مستطيلة الشكل، قوام زخرفة الشكل المستطيل شريطان: العلوي ضيق ويضم رسوم شرافات مسننة، اولها من اليمين قائمة على قاعدتها والثانية على رأسها وهكذا على التعاقب، اما الشريط السفلي فيتألف من ثلاث مناطق الوسطى مستطيلة والجانبيتان مربعتان والعناصر الزخرفية السائدة في هذه التحفة دوائر وعقد ذو خمسة فصوص وحلزونات تضم رسوم ورقة العنب الثلاثية وكوز الصنوبر (لوحة رقم 4).

وفي الحشوة المربعة (وهي قطعة اخرى خشبية من تكريت محفوظة الان في متحف المتروبوليتان بنيويورك) رسم دائرة كبيرة تضم نجمة سداسية من مثلثين متشابكين وفي وسط النجمة الدائرة الخارجية ست دوائر اصغر مساحة، وتحف بالدائرة الخارجية في كل ركن من الاركان الاربعة دوائر صغيرة داخلها دوائر اصغر منها، وتتألف الزخارف المحفورة في هذه القطعة من اوراق نباتية متطورة من ورقة الاكانتس ومن حلزونات تضم أوراقاً نباتية ولاسيما ورقة العنب الثلاثية الفصوص (لوحة رقم 5).

يقال ان الاجزاء التي وجدت من هذا المنبر انما عثر عليها في جبانة بغداد (لوحة رقم 6) وكيفما هو الحال فان الجزء المصور هنا احسنها مظهرا وأقلها تلفاً، ويتألف من عوارض وقائمتين تحصر بينها حشوتين مستطيلتين وحشوتين مربعتين، تفصيل احدى الحشوتين المربعتين تظهر فيها عناصر زخرفية مستمدة من المنبر السابق الذكر (المحفوظ في متحف المتروبوليتان) وقوامها حلزونات يخرج بعضها من بعض ويضم كل منها عنقودا ثلاثي الفصوص وورقة نباتية قطاعها مقعر وعلى جانبي هذه الحلزونات صفوف رأسية من رسوم لكيزان الصنوبر(لوحة رقم 7)، اما الحشوة المستطيلة اذ نرى ان المراوح النخيلية التي سادت الفن الساساني قد غطت على ورقة العنب التي كانت من العناصر التي ميزة الفن الاموي (لوحة رقم 8)، مثلما تخرج كيزان الصنوبر تخرج من فروع العنب مثلما كانت تزين واجهة قصر المشتى (يعود هذا القصر الة الخليفة الاموي هشام بن عبد الملك)، وفي منبر القيروان التي كانت من العناصر المميزة له، حيث كانت كيزان الصنوبر من العناصر المهمة في العصر الاموي ومن العناصر التي لعبت دوراً كبيراً في المراحل الاولى من الزخرفة الاسلامية، حيث نجد امثلتها واسعة في العصر الاموي في فسيفساء قبة الصخرة والمسجد الاقصى في بيت المقدس وزخارف قصر المشتى والطوبة، كما شاعة في منبر القيروان الذي يعود الى بدايات العصر العباسي وفي زخارف سامراء الجصية (221-279هـ).

كما وجدت قطعة اخرى من الخشب وجدت في مدينة تكريت محفوظة الان في دار الآثار العربية ببغداد يعود تاريخها حوالي (نهاية القرن الثامن او بداية القرن التاسع الهجري)، قوام زخرفة هذه التحفة عبارة عن حلزونات او فروع نباتية يخرج منها او فروع نباتية ملتوية يخرج من بعضها ورقات عنب ثلاثة وخماسية الفصوص (لوحة رقم 9) .

ومن ابدع التحف الخشبية التي تعود الى بداية القرن العباسي، هو منبر جامع عقبة بن النافع بتونس (جامع القيروان) والذي يعد حق آية من آيات فن الحفر على الخشب، ، وتذكر المراجع التاريخية انه مصنوع من خشب جلب من بغداد في عهد الامير الأغلبي ابي ابراهيم احمد (242-249هـ)، أو على وجه الدقة سنة (248هـ). لكن اسلوب الحفر فيه ليس عباساً، فعلى الارجح ان صناعته كانت في بداية القرن العباسي او قبل ان يستقر الطراز العباسي ويتم تكوينه، ومن ناحية اخرى لا يبدو انه صنع في القيروان بعد ان جلب خشبه من بغداد بل على الأرجح ان حشواته جلبت من بغداد بعد تنفيذ زخارفها كلها، ولا عجب فان هذه الزخارف وثيقة الصلة بزخارف الاخشاب المحفورة في العراق من الطراز الاموي ولاسيما زخارف المنبر الذي عثر عليه في تكريت (المحفوظ في متحف المتروبوليتان). كما انه اقدم المنابر في العالم وانه في حالة جيدة من الحفظ فضلاً عن دقة صناعته وابداع زخرفة حشواته، والمنبر من الخشب الساج المزخرف بالحفر والتخريم وطوله حوالي (4م) وارتفاعه عن الارض قليلاً (3.5م)، ويتألف من مجلس و (11) مرقاة، ويتألف المنبر من قوائم وعوارض مجمعة فتحصر بينها حشوات مستطيلة (لوحة رقم 10)، وفي كل جانب من جوانب المنبر (13) حشوة رأسية ومعظمها ذو زخارفها هندسية مفرغة ولكن القليل منها ذات زخارف نباتية، ويتألف السياج المائل لسلم المنبر من عارضتين طويلتين بينهما قوائم تقسم السياج الى حشوات تحدها من الجانبين خطوط رأسية ومن أعلى وأسفل خطوط مائلة، وكل حشوة منها مقسمة الى ثلاث مناطق: العليا والسفلى مثلثتان والوسطى مستطيلة وتنتهي في أعلاها بعقد نصف دائري او مدبب، وتمتاز زخارف حشوات منبر القيروان فيها التنوع الفني في الرسوم الهندسية (لوحة رقم 11).

الحشوة الاولى الموضحة لدينا، حيث تجمع عدد من العناصر الزخرفية السائدة فيه مثل العقد المتعدد الفصوص وكيزان الصنوبر وانصاف المراوح النخيلية، كما ونلاحظ فيها حفر الزخارف على مستويات متفاوتة وتجسيم العناصر النباتية بحيث يبدو بعضها مقعراً والآخر محدباً (لوحة رقم 12).

الحشوة الثانية بين عدد من العناصر الزخرفية السائدة فيه ومن بينها وريقات المقعرة وكيزان الصنوبر والالتواءان اللذان يعلوها شبه جناحين وأنصاف المراوح النخيلية (لوحة رقم 13).

الحشوة الثالثة حيث تجمع هذه الحشوة من منبر القيروان بين عدة عناصر زخرفية من العناصر المألوفة في الحفر على الخشب في الطراز الاموي مثل الشرفات المسننة والفروع النباتية والوريقات النباتية (ورقة العنب حيث هي سادة في الفن الاموي وايضا من الاوراق التي سادت في زخارف منبر القيروان الى جانب المروحة النخيلية)، كما ظهرت فيها زخارف القوائم والعوارض وتتألف من أشرطة من الحلزونات او الفروع النباتية تخرج من بعضها البعض ويضم كل منها ورقة العنب الثلاثية الفصوص وكوز الصنوبر (لوحة رقم 14).

تضم الحشوة الخامسة من منبر جامع عقبة بن النافع (جامع القيروان) عنصراً زخرفياً غير العناصر التي أشرنا اليها في الحشوات السابقة الذكر وهو عنصر الرمان ونراه في اعلى الحشوة بين نصفي مروحة نخيلية ولكن بدنه مغطى بأوراق من زهرة الاكانتس ذات الثلاث فصوص موضوعة بحيث تلي بعضها في حركة دائرية (لوحة رقم 15).

تضم هذه الحشوة من منبر جامع القيروان بتونس وهي الحشوة السادسة لدينا عنصراً اخر من العناصر الزخرفية في هذا المنبر، وهو ساق شجرة حيث ينتهي أعلاه بالتواءين يعلوهما كوز صنوبر على جانبيه اجنحة (لوحة رقم 16).

اللوح الموضح لدينا (لوحة رقم 17) هو قطعة من الخشب تعود الى نهاية القرن الثامن أو بداية القرن التاسع الهجري محفوظة الان في متحف الفن الاسلامي في القاهرة، يوضح شريطان ضيقان كتابة بالخط الكوفي تشمل البسملة ومعظم آية الكرسي ويحصر هذا الشريطان بينهما شريط عريض يتألف من سبع مناطق مربعة الشكل منها اثنان في الطرفين يغطيهما انصاف المراوح النخيلية، والثلاث مناطق في كل منها عنصراً زخرفياً مجنحاً وفروع نباتية تضم أوراقاً ثلاثية واخرى بيضوية الشكل، اما المنطقتان الباقيتان ففي كل منهما عقد ذو فصوص يتوسطه ساق مدبب في اعلاه هيئة نصل رمح .

هناك قطعة خشبية اخرى محفوظة في دار الآثار العربية ببغداد ايضا تعود الى حوالي (نهاية القرن الثامن أو بداية القرن التاسع الهجري)، تجمع هذه القطعة بين الكثير من العناصر الزخرفية التي نعرفها في فن الحفر على الخشب من الطراز الاموي، من بينها العنصر المجنح واوراق العنب الثلاثية الفصوص والشرفات المسننة وعناقيد العنب والشريط السفلي منها على هيئة أسنان المنشار والوريقات النباتية البيضوية الشكل فضلاً عن سلسلة من العقود النصف دائرية تقوم على اعمدة ذات تيجان وعن دائرتين تضمان بين ما تضمانه من الزخارف النباتية وريقات طويلة مدببة نرى بعضها ايضاً تحت العقود المشار اليها سابقاً (لوحة رقم 18).

                                                                                                                                                                               بقلم

                                                                                                                                                                                    م.م ريام حسين عبد العباس

المصادر:  

  1. (حسن، زكي محمد، اطلس الفنون الاسلامية، دار الرائد العربي، بيروت، سنة 1955).
  2. (حميد، عبد العزيز، زخرفة الخشب، حضارة العراق، ج9، دار الحرية، بغداد، سنة 1985).
  3. (ديماند، الفنون الإسلامية، ترجمة: احمد محمد عيسى، دار المعارف، مصر، سنة 1954م).

 

  (لوحة رقم 5)    (لوحة رقم 4)  (لوحة رقم 3)

(لوحة رقم 2)

(لوحة رقم 1)

(لوحة رقم 10)

(لوحة رقم 9)

(لوحة رقم 8)

   (لوحة رقم 7)

(لوحة رقم 6)

(لوحة رقم 15)

(لوحة رقم 14)

(لوحة رقم 13)

(لوحة رقم 12)

(لوحة رقم 11)

   
   

(لوحة رقم 18)

(لوحة رقم 17)

(لوحة رقم 16)

Joomla Templates - by Joomlage.com