التراث في القانون الدولي والعربي والعراقي

    يقصد بالتراث ، الهوية الثقافية والوطنية لكل شعب او مجموعة افراد فهو مخزن للذاكرة الإنسانية وللثقافات في مختلف أصنافها المادية والمعنوية ، فالحماية لا تمنح للأشياء لأهميتها الأثرية والتاريخية فقط ، وإنما تمنح بعدّها مصدراً للمعلومات والمعرفة

 

    وقد عُرف القانون الدولي التراث الثقافي بعدة تعريفات ، فجانب من الفقه الدولي ذهب الى الربط بين التراث الثقافي ومصطلح الثقافة نفسه , فيعرف الثقافة بأنها وسيلة الاتصال بين الشعوب في انحاء المعمورة والتي تؤثر في تطور الشعوب من جيل الى آخر ومن مدة زمنية إلى أخرى , ويؤكد هذا الجانب من الفقه على ان ما يعد تراثاً ثقافياً لا بد من ان تتوفر فيه قيمة انسانية ثقافية ،ويضرب مثلاً لذلك اشتراط القيمة الثقافية للآثار([i]), وهذه المعايير الثقافية للاثار هي:

  • "أولاً: تمثل تحفة عبقرية خلاقة من صُنع الإنسان.
  • ثانياً: تمثل إحدى القيم الإنسانية الهامة والمشتركة، لفترة من الزمن أو في المجال الثقافي للعالم، سواء في تطور الهندسة المعمارية أو التقنية، أو الفنون الأثرية، أو تخطيط المدن، أو تصميم المناظر الطبيعية.
  • ثالثاً: تمثل شهادة فريدة من نوعها أو على الأقل استثنائية لتقليد ثقافي لحضارة قائمة أو مندثرة.
  • رابعاً: أن تكون مثالاً بارزاً على نوعية من البناء، أوالمعمار أو مثال تقني أو مخطط يوضح مرحلة هامة في تاريخ البشرية.
  • خامساً: أن يكون مثالا رائعاً لممارسات الإنسان التقليدية، في استعمال الأراضي، أو مياه البحر بما يمثل ثقافة (أو ثقافات)، أو تفاعل إنساني مع البيئة ولاسيما عندما تُصبح عُرضة لتأثيرات لا رجعة فيها.
  • سادساً: أن تكون مرتبطة بشكل مباشر أو ملموس بالأحداث أو التقاليد المعيشية، أو الأفكار، أو المعتقدات، أو الأعمال الفنية والأدبية ذات الأهمية العالمية الفائقة, وترى اللجنة أن هذا المعيار يُفضل أن يكون استعماله بالتزامن مع معايير أخرى" ([ii]).

    ولمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة دور بالغ الاهمية في توفير الصيانة والحماية للتراث الثقافي من كل اشكال الاعتداء، وكانت اتفاقية  "حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي" والتي اقرها المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو في دورته السابعة عشر في باريس 16/11/1972، قد اوردت تعريفاً للتراث الثقافي، الذي ينص:

    "التراث:- وهي الأعمال المعمارية واعمال النحت والتصوير على المباني والعناصر او التكوينات ذات الصفة الأثرية والنقوش ومجموعة المعالم التي لها جميعاً قيمة عالمية استثنائية من وجهة نظر التاريخ او الفن او العلم.

المجمعات:- مجموعة المباني المنعزلة او المتصلة ، التي لها بسبب عمارتها او تناسقها او اندماجها في منظر طبيعي ، قيمة عالمية استثنائية من وجهة نظر التاريخ او الفن او العلم.

المواقع: هي اعمال الانسان ، او الاعمال المشتركة بين الانسان والطبيعة ،وكذلك المناطق بما فيها المواقع التراثية، التي لها قيمة عالمية استثنائية من وجهة النظر التاريخية او الجمالية" ([iii]).

وقد جاءت التشريعات الوطنية المعنية بحماية الآثار لتضع تعريفاً لآثارها ، فيعرف القانون المصري التراث "بأنه كل بناء او قطع منقولة أنتجته الحضارات المختلفة او احدثته الفنون والعلوم والآداب والأديان خلال العصور التاريخية المتعاقبة ما دامت له قيمة او اهمية اثرية او تاريخية ويعدّه مظهراً من مظاهر الحضارات المختلفة" ([iv]).

    وعرفه قانون مملكة البحرين ،" بأنه اي شيء خلقته الحضارات أو تركته الأجيال السابقة مما يكشف عنه ويعثر عليه سواء اكان عقاراً و مواد منقولة تتصل بالفنون والعلوم والآداب والأخلاق والعقائد والحياة اليومية، اما الأحداث العامة او غيرها مما يرجع تاريخه الى خمسين سنة ميلادية على الأقل ، متى ما كانت له قيمة فنية او تاريخية يعد من التراث، والوثائق التاريخية والمخطوطات وما وجد معها من أغطية لحفظها" ([v]).

    أما التشريع التونسي فقد اخذ بتصنيف الآثار والتراث إلى اربعة أصناف بموجب قانون حماية التراث الأثري والتاريخي والفنون التقليدية رقم 35 لسنة 1994 وهي:

"يعتبر تراثا أثريا أو تاريخيا أو تقليديا كل أثر خلّفته الحضارات أو تركته الأجيال السابقة كما يكشف عنه أو يعثر عليه برا أو بحرا سواء كان ذلك عقارات أو منقولات أو وثائق أو مخطوطات يتصل بالفنون أو العلوم أو العقائد أو التقاليد أو الحياة اليومية أو الأحداث العامة وغيرها مما يرجع إلى فترات ما قبل التاريخ أو التاريخ والذي تثبت قيمته الوطنية أو العالمية ويعدّ التراث الأثري أو التاريخي أو التقليدي ملكا عاما للدّولة باستثناء ما أثبت الخواص شرعية ملكيتهم له". ([vi]).

    وفي العراق مهد الحضارات نجد أن قانون الآثار القديم رقم(59) لسنة 1936م يحمي فقط الأبنية الأثرية وحتى بعد تعديله في سنة 1974م بقانون رقم (120) هناك تدارك بسيط يشير ضمن موضوع التراث أذ جاء في الفقرة الثانية من المادة الأولى ما نصه "يجوز للمديرية([vii]) أن تعتبر من الاثار الأموال المنقولة وغير المنقولة التي يقل عمرها عن مائتي سنة، إذا رأت أن المصلحة العامة تقضي المحافظة عليها بسبب قيمتها التاريخية أو القومية أو الدينية أو الفنية . على أن يتم ذلك بقرار من الوزير وينشر في الجريدة الرسمية([viii])" وهنا لا يفوتنا ان نشير الى أن قانون الآثار رقم 80 لسنة 1979 م الذي أدرج فيه النص السابق نفسه ([ix]).

    أما قانون الآثار والتراث الجديد الذي أصدرته الهيأة العامة للآثار والتراث المرقم (55) لسنة (2002 ) حيث عرف التراث : "هو الاموال المنقولة والاموال غير المنقولة التي يقل عمرها عن (200) مئتي سنة ولها قيمة تاريخية او وطنية او دينية او فنية , ويعلن عنها بقرار من الوزير"([x]).

وقد نص الفصل الرابع المادة (23) على فقرات تهتم بالتراث ما يأتي:

"أولا : تلزم السلطة الإثارية بالاستمرار في توثيق الأبنية والمناطق التراثية استكمالا لنهجها العلمي وتنفيذا للواجبات المنوطة بها في حماية التراث الحضاري في العراق.

ثانيا : تمسك الجهة المشاركة سجلا خاصا تسجل فيه الأبنية التراثية والمناطق

والأحياء السكنية ذات الطابع المعماري التراثي لأهميتها التاريخية أو التراثية أو مميزاتها المعمارية أو لأهميتها التراثية العربية والإسلامية حسب ما تراه السلطة الاثارية وتعلن عنه تحريريا .

ثالثا : تعلن الجهة المشاركة عن أن الأبنية والمناطق والأحياء السكنية المنصوص عليها في البند (ثانيا) من هذه المادة هي منطقة حفاظ وتعد خرائط لها وتصدر القرارات اللازمة لحمايتها باعتبارها تراثا معماريا وتحدد أوجه استخدامها وتثبيت مايلزم من محرمات وحقوق ارتفاق تترتب على العقارات المجاورة لها خلال (90) تسعين يوما من تاريخ الإعلان عنها في الجريدة الرسمية.

رابعا : تشعر السلطة الاثارية دائرة التسجيل العقاري المختصة بوضع إشارة عدم التصرف على المباني التراثية الموثقة لديها وتصدر قرارها بشأن حمايتها أو عدم حمايتها خلال (90) تسعين يوما من تاريخ وضع الإشارة" ([xi]).

    اما المادة (24) اولا فتنص على :" للجهة المشاركة أن تستملك الأبنية التراثية وفق أحكام قانون الاستملاك , وثانيا : تقوم الجهة المشاركة بإخلاء الأبنية التراثية والتاريخية ومحرماتها من الأشخاص والأموال في حالة وجود خطر يهدد حياة الأشخاص أو الأبنية التراثية وفق قواعد تصدرها الجهة المذكورة"  ([xii]).

    وجاء في المادة (25) : "تقوم الجهة بتخليه المبنى التراثي المؤجر لغرض إجراء الصيانة والترميم بعد توجيه إنذار للمستأجر خلال(90) تسعين يوم من تاريخ تبلغه بالإنذار استثناء من قانون إيجار العقار المرقم (87) لسنة 1979 م"([xiii]).

    كما نصت المادة (26) من القانون ذاته : "تلتزم دوائر الدولة والقطاع الاشتراكي عند إقامة المشروعات العامة بالمحافظة على الأبنية التراثية والتاريخية بالتنسيق مع السلطة الإثارية " ([xiv]).

     وتنص المادة (27) على : "يتمتع صاحب المبنى التراثي المشمول بالحفاظ أو التوثيق بالامتيازات الآتية :الحصول على منحة أو سلفه لمساعدته في الحفاظ على المبنى التراثي وتصرف له من الجهة المشاركة وفق قواعد تصدرها الإعفاء من ضريبة  العقار ، تأجير المبنى التراثي استثناء من إحكام قانون إيجار العقار المرقم (87) لسنة 1979 م" ([xv]) فضلا عن ذلك فقد نصت المادة (28) على مايأتي:

"أولا-لا يجوز

 أ-التجاوز على مباني الأحياء التراثية المعلن عنها في الجريدة الرسمية أو هدمها أو تغير المهنة والاختصاص الذي يمارس فيها في المحلات والأسواق والشوارع التراثية او إلغاء وظيفتها الأساسية التي منحتها الصفة التراثية .

ب-إلغاء الصفة التراثية لمحل تراثي قائم في ملك الغير عن طريق تخليته وتقدر الهيئة العامة للضرائب بدل الإيجار في حالة الخلاف بين المؤجر والمستأجر حفاظا على المحل التراثي ومنع زواله.

ج –لا يجوز هدم الأبنية المشمولة بالحفاظ أو الموثقة أو إعادة بنائها أو ترميمها أو تغير استخدامها إلا بموافقة السلطة الإثارية وإجازة من الجهة المشاركة تؤمن التجانس مع الخصائص المعمارية والمقاييس العامة لمنطقة الحفاظ والأبنية المؤقتة والمحافظة عليها ويبت في منح الإجازة خلال (30) ثلاثين يوما من تاريخ تقديم الطلب .

ثانيا : للجهة المشاركة أن تأمر المخالف لحكم الفقرة (ج) من البند (أولا) من هذه المادة بمعالجة المخالفة بالطريقة والمدة التي تحددها وإلا عالجتها على نفقته .

ثالثا :تعوض الجهة المشاركة المتضرر نتيجة تثبيت حقوق الارتفاق على أرضية المنصوص عليها في البند (ثالثا) من المادة (23) من هذا قانون أو الإخلاء عن المناطق التراثية وفق البند (ثانيا) من المادة (24) من هذا القانون خلال (90) تسعين يوما من تاريخ تثبيت حقوق الاتقاء أو الإخلاء وبخلافه يعد قرار الجهة المشاركة بشأن حقوق الاتقاء أو الإخلاء مسحوباً"([xvi]).

    وتجدر الاشارة هنا ، في هذا السياق إلى الجهات التي تعنى بالتراث العراقي وهي الجهات المختصة برعاية التراث المعماري وهذه الجهات تتمثل  بدائرة التراث بالهيأة العامة للآثار والتراث والتي تتولى إجراء المسح وتوصيف المباني في عموم القطر وتسقيطها على الخرائط وكذلك دائرة التصاميم في امانة بغداد. ([xvii])

                                                                                                                                                                                                  بقلم 

                                                                                                                                                                                                الدكتور نبيل عبد حسين راهي



([i]) بدر الدين , صالح محمد ، حماية التراث الثقافي والطبيعي في المعاهدات الدولية ، دار النهضة العربية 1999، ص15.

([ii]) المصدر نفسه , ص15

([iii]) اتفاقية اليونسكو (لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي ) , المادة الأولى, باريس ,1972, ص6

([iv]) قانون حماية الآثار المصري رقم 117 لسنة 1983 ,المادة الأولى, ص 5.

([v]) قانون مملكة البحرين بشأن حماية الآثار / رقم 11 لسنة 1995 ,المادة الثانية, ص7

[vi])) القانون التونسي لحماية الاثار والتراث رقم 35 لسنة 1994, الفصل الاول , ص 2

[vii])) المديرية : هي دائرة الاثار واليوم تسمى الهيئة العامة للاثار والتراث

[viii]))الجريدة الرسمية العراقية هي جريدة الوقائع العراقية .

[ix])) الهر، عبد الصاحب ، ’’عائديه المباني التراثية والتاريخية وتثبيت أثريتها ودور القانون في حمايتها ‘‘،مجلة التراث والحضارة ،العدد الثامن والتاسع ، المركز الإقليمي لصيانة الممتلكات الثقافية في الدول العربية , بغداد 1986-1987 م ,ع 8-9،ص 327

[x])) قانون الآثار والتراث رقم (55) لسنة 2002 ،جمهورية العراق ، وزارة الدولة لشؤون السياحة والآثار ، الهيئة العامة للآثار والتراث ، مطبعة سومر ، بغداد -2005 م,ص6

[xi] المصدر نفسه , ص 22

([xii]) قانون الاثار والتراث العراقي, المصدر السابق , 22

[xiii])) المصدر نفسه , ص 23

([xiv]) المصدرنفسه , ص24

[xv])) المصدر نفسه , ص 25

[xvi])), قانون الاثار والتراث ,المصدر السابق , ص 26

([xvii]) كمونة ,حيدرعبد الرزاق ،أهمية الحماية القانونية (للمحافظة على المواقع والمباني التاريخية في المدينة العربية )،دراسات قانونية بيت الحكمة ، بغداد ,ع 3 السنة 4 2002.ص 38

Joomla Templates - by Joomlage.com