الكتابة انعكاس للبيئة واثرها السيكولوجي في الفكر الرافديني القديم

   كان للبيئة التي تحيط بالانسان الرافديني اثرا بالغا في حياته ، ولها خطاب حسي عميق في الفكرالانساني والذي تجسد على هيئة اكتشافات حضارية مهمة سجلت في تاريح الانسانية جمعاء ،ففي حوالي منتصف الألف الثالث قبل الميلاد ، وعلى أرض الرافدين الطيبة المعطاء ، جَلَسَ أول تلميذ على دكة من اللبن لتلقي المعرفة ، ووقف أول معلم في تاريخ المعرفة ،

ليلقي محاضرة في فلسفة الوجود ،إنه إبلاغ رمزي ، يؤطر ما هو زائل ، بإطار الأبدي الخالد ، كمظهر للعقل والتفكير نوعاً من إعادة صياغة الطبيعة في جوهرها وماهيتها ، بتحليل عناصر الصورة المرئية ، بغية تفعيل قوة التعبير الكامن في الذات المتفلسفة وإسقاط الذات على الطبيعة والإنسان .

   انعكس الطابع الفكري من خلال الافعال التي قام بها الانسان ،فقد كان الفكر رمزياً كونه يُعيد بنائيتهِ بالأشكال ، وتركيبياً لأنه يشيد هذه الأشكال بوساطة العلامات، وبشكل بناء رياضي يعرض ذاتهِ كأنظمة أشكال معرفية ، حدسية متحررة من محدودية القيود الحسية .
إن الفكر الرافديني ، الإبداعي ، وهو يؤسس أنظمته الأولى في تاريخ الإنسانية، كان يستلم خطاب البيئة بفعل المحسوسات ، وهي بمثابة ضغوط سيكولوجية وحوافز ومنبهات ، ويؤولها إلى منظومة دلالية في بنائيتهِ ، وهي بمثابة تقابلات صورية ، مكثفة بأشكال رمزية أو دلالات علامية . وهذهِ الآليات الفكرية المستندة إلى التجريب، ساهمت بفاعلية في تكامل الخبرة الفكرية ، وبدأت تعمل كمحركات مهيمنة في بنائية الفكر الحضاري في سياقاتهِ العامة.                     
واجهت بنائية الفكر الرافديني ، العالم الكوني . وهو منفصل إلى عالمين . عالم الصورة الأرضية الفانية ، وعالم المثل العليا المفعم بالقوى الفاعلة المتحكمة بالظواهر. الأمر الذي أكسب السايكولوجيا الرافدينية ، نوعاً من القلق الميتافيزيقي . الذي أكسب صورة المغيب اللامرئي ، حضوراً فاعلاً في بنائية الفكر ، على حساب تدني الحضور البشري . وقد تمكن بهذا من تصنيف الظواهر وإدراك ما بينها من علاقات ، فجعل لكل قوة رمزاً ، وعلى هذا النحو تحولت الظواهر إلى رموز ومفاهيم هي بمثابة تكثيف للأفكار بخطاب التشكيل . وهذا هو التفسير العقلاني ، باتجاه خلق موازنة بين الأحساس الداخلي (الذات المنفعلة) وعالم التجربة الخارجي (قراءة الموجودات) حيث تكون مهمة التشكيل إدراك هذه الموازنة . ذلك إن صلة التشابه المادية المنظورة ، قد تمت الاستعاضة عنها بصلة روحية غير مرئية هي صلة الرمز . حيث ترتفع المدلولات فوق الظاهرة الطبيعية المنفردة ، وبنوع من التضايف بين المادي والروحي وبين الطبيعي والرمزي .
 
وإزاء تغييب محاكاة تعقيدات الطبيعة ، وجد الفكر في بنائيتهِ الجمعية ، إن بإمكانهِ قلب العالم الخارجي باتجاه العالم الداخلي . فمن صفات الفن العظيم ، أن يحمل بداخلهِ التوتر والتناقض ، فهو لا يصدر من معاناة للواقع فحسب ، بل لابد له من عملية تركيب ، لابد له أن يكتسب شكلاً موضوعياً . فالتأمل الميثولوجيا الذي يشكل الجوهر في نظام الصورة على أرض الرافدين ، هو نوع من طريقة حدسية للإدراك، ليس مجرد انشراح طليق للذهنية يتجاهل الواقع ، إنه يسمو على التجربة ، كونه يحاول تفسيرها وتنظيمها وتوحيدها . إنه يقوم على إعادة بناء العالم في حالتهِ السرية الداخلية، بحيث لم يعد لطبيعة الأشياء من دلالة ، إلا بقدر تحولاتها لتعكس وضعاً إنسانياً .
لقد كان الشكل الكتابي والتشكيل الرافديني ، يتحرك في دائرة ثقافية قوامها الرمز فهناك المضمون والغاية والمدلول ، ومن الجهة الثانية التعبير والتظاهر والواقع ، وما بين هذين المظهرين تشابك وتداخل . بحيث إن الخارجي أو الخاص ، لا يكون له من مُبرر وجود ، إلا أن يكون تعبيراً عن الداخلي . فطبيعة التفكير ، كانت ذات خصوصية، تميل إلى تمثيل الأشكال في كلياتها ، في أشكالها العامة الموحية بالمعنى المترابط بالشكل . وهنا يمكن أن نصل إلى نوع من الرمزية الواعية في توظيف مظاهر الأشكال باتجاه ذائقية الوعي الجمعي . إنه الفن المتحرر من الطبيعة ، ببنائية أشكاله الجوهرية الخالصة . هذا التحقق التاريخي لعالم المُثل بوعي الجمال الروحي في اللانهائية المتحققة بخطاب التشكيل نحو المطلق . هو فلسفة الحياة والفكر برمتها على أرض الرافدين.



   حققت الحضارة الرافدينية في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد ، قفزة معرفية من النوع ، فريد وأسست أول مجتمع متحضر في التاريخ ، مؤسسة تاريخها من خلال نشاط حركة الأفكار المتحولة بشكل متسارع مليء بالمستجدات والإبداعات. ففي مدينة الوركاء عاصمة البطل كَلكَامش ، جاء اختراع الكتابة ليُعلم البشرية الحرف. وبقدر ما تمثله الكتابة من انتصار معرفي عظيم ، حفظ تاريخ الإنسانية من الضياع ، فإن بنيتها نظاماً من العلاقات الجمالية ، بصدد تسطيرها وانتظام خطوطها، إنها التفعيل الأول للفكر الإنساني حبن حفر على الطين مادة الخلق الأولى ، ذاته حفراً وحتى أعمق مناطق الروح . حيث يعمل الخط في منطقة المتخيل خارج مساحة التكوينات العينية ، باعتباره تفسيراً حدسياً للامرئيات بقوالب المرئيات . ذلك إن العلاقة الكتابية تشبه ذاتها في القصدية الطبيعية ، لكنها خارج حضورها الواقعي ، فهي عبارة عن تلخيص للدلالات التي تمثلها . فهي المفردات التي تشكل الجزء الخاص من الفكرة، والتي تُشّفر عن مغزى دلالي كامن خلفها في مدلولاتها في بنية الفكر الاجتماعي . ومن هنا اكتسبت عظمتها عبر التاريخ ، وبدت كمفاهيم أزلية الحيوية .
كان المعبد باعتباره أهم ركائز المؤسسة الدينية ، حيزاً مكانياً ذي دلالة قدسية ، تفوق كثيراً حضوره المرئي . مكتسباً حضوره القدسي بفعل حلول الروحي فيهِ حلولاً. وهكذا قد لا يقل الفكر الرافديني نجاحاً عن الفكر الحديث بهذا الصدد ، إلا أن بنية النظام هناك لا تُقرر بالمقاييس الموضوعية ، بل بإدراك عاطفي حدسي للقيم . الأمر الذي فعَّل سيطرة المعبد على معظم الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية ، وغدى المعتقد الديني كحقيقة تفرض نفسها على العقول ، لها صفة الفضيلة الآمرة . وبفعل هذه الهيمنة المعبدية ، جاء اختراع الكتابة في بؤرتهِ ، ووصفها المرحوم الأستاذ طه باقر : " بأنها كانت صورية ، تعتمد على تمثيل صور الأشياء المراد كتابتها " (طه باقر،مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ص241 ).
كان تحقيق الدلالة في نظام الكتابة الصورية ، يتكون من ثلاث جزئيات . الشيء المشار إليه وهو المعنى ، والإشارة وهي الإشارة الكتابية والتشابه المفترض بين الاثنين. لقد كان التشابه ضرورياً في بنية النظام الصوري الأول . ذلك إن المعرفة في زمانها ومكانها ، يصعب التأكد من صحتها دون رابطة حقيقية بين الإشارة والمشار إليهِ. فالتعبير في الكتابة الصورية ، لا يتظافر إلا بعقد صلة الارتباط الحيوية ، بين المضمون والشكل الذي ينظمه ويظهره ، حيث يدعم كل منهما الآخر ، داخل كل مترابط ، هو البنية الكلية للنص المكتوب . فماهية الكتابة ، تعيش هنا في محيط ذو مدلولات ثقافية واجتماعية واقتصادية ، تتبادل معها الأثر والتأثير بطريقة دينامية متفاعلة ، من خلال إطار نوعي أكتسب مضمونه من الخارج ، وهو مرتبط بالحالة العامة للتفكير . وهو بمثابة مرجع تسترشد به الجماعة ، باعتباره خطاباً تداولياً ، ليصبح حصيلة الفكر الحضاري الذي تبثة الجماعة للأجيال القادمة .
وكأي اختراع ، يبدو في البداية بسيطاً رغم كونه انتصاراً ، ومن ثم يخضع لمفهوم التطور بفعل تعاظم الخبرة المستندة إلى التجريب . حيث أعقبت الكتابة الرمزية الكتابة الصورية ، ليتعاظم هرم المعرفة في مرحلتهِ النهائية بالكتابة الصوتية - المقطعية المستندة إلى أصوات المقاطع في كتابة الكلمات . وذلك لعمري أعظم نصر فكري في تاريخ المعرفة . ففي المرحلة الرمزية ، وجد الفكر إن صلة الشبه المادية المنظورة غير كافية لتدوين شتى الأفعال المجازية . فاستعاض عنها بصلة روحية غير مرئية هي صلة الرمز ، حيث تتجسد قيمة الرمز الجوهرية الروحية بالتحول من الفردية إلى التعميم المطلق . ذلك إن العلامة الكتابية في طورها الرمزي، مفرغة تماماً من وجودها المادي كأيقونة معاشه ، ومرحّلة بفعل ضغوط البنية الفكرية العميقة إلى منطقة تتوسط الشعور واللاشعور . حيث التحرر من قيود السطحية والمباشرة ، سعياً لتأكيد وجود حقيقي وجوهري ، ذلك إن الرمز ، يحمل معنى أكثر تحديداً من الشيء الذي يرمز إليهِ ، فيستفيد الشيء المرموز إليهِ من المعادلة ، ويحصل على دلالات جديدة أكثر تحديداً من المرموز إليهِ أصلاً . فالشيء هو معنى إشارتهِ ، بيد إن الرمز هو معنى شيئهِ .
وبفعل تداول هذه الرموز الكتابية في ذهن الجماعة ، نتيجة استمرار الممارسة والفهم ، إن غدت مثل هذه الرموز حقيقية اصطلاحية ، لا تتطلب استغراقاً ذهنياً من قبل الفرد والجماعة ، في استيعاب دلالاتها ، ضمن حدودها الزمانية والمكانية المحددة، باعتبارها أداة تواصل ، بواسطة ضرب من التناغم في الوجدان ، وقد وجد بنائيته بشكل تمثلات ذهنية ثابتة .
وفي المرحلة المقطعية – الصوتية ، اكتسبت اللغة تماسكها الداخلي المنظم والخاص بها . فلم تعد الكتابة تتكون فقط من ممثلات وأصوات تقوم بدورها بتمثيل الممثلات ، ذلك إن الكتابة تتكون الآن من عناصر شكلية تنظم داخل نسق يفرض على الأصوات والمقاطع تنظيماً ليس تمثيلياً . أي إن الكتابة تحولت من وسيط تمثل فيه الكلمات الأشياء التي تشير إليها دون زيادة أو نقصان ، إلى أنساق خاصة تكتسب دلالاتها من علاقتها الداخلية كل منها بالآخر . فالعملية ليست تمثيل الكتابة لأشياء موجودة – في تطورها الأعلى – لكن النقيض هو الصحيح .

                                                                                                                                                                                                  بقلم

                                                                                                                                                                                                 الدكتورة فاطمة المعموري

Joomla Templates - by Joomlage.com