الجنائن المعلقة بين الحقيقة والاسطورة

وهي إحدى عجائب الدنيا السبع, التي بناها نبوخذ نصر للملكة (أمي يا هيا )التي كانت تتشوق لحدائق وطنها ميديا, التي كانت محاطة بخندق مائي. يقال أنها بنيت في القرن السابع ق.م. في منتصف صحراء بلاد ما بين النهرين القاحلة، كانت حدائق بابل المعلقة شهادة على قدرة رجل واحد في خلق واحة نباتية من الجمال وسط كآبة منظر صحراوي، ضدّ كلّ قوانين الطبيعة. 

كتب عدة كتاب يونانيون ورمانيوون عن حدائق بابل، مثل سترابو، وديودورس و وكوينتس كورتيوس روفوس. وبالرغم من ذلك لم توجد أي نصوص مسمارية تصف هذه الحدائق، ولا يوجد أي دليل أثري يوضح مكان وجودها.

وُصفت حدائق بابل في عدد من النصوص القديمة للرحالة المسنشرقين ، وكان أولها نص للراهب والمؤرخ والفلكي برعوثا الذي كان يعبد الإله مردوخ والذي عاش في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد. ولم تعرف مؤلفات برعوثا إلا عن طريق الاقتباسات التي اقتبسها بعض الكتاب منها (مثل يوسف بن ماتيتياهو). وهناك خمسة مؤرخين (إضافة إلى برعوثا) كتبوا في وصف الحدائق المعلقة ومازالت كتبهم موجودة إلى اليوم، وقد وصف هؤلاء المؤرخون حجم الحدائق المعلقة، وكيفية وسبب بنائها، وماذا كان النظام المتبع في ري الحدائق.

ولقد استنتج العلماء القدامى احتمالية استخدام لولب يشبه اللولب الذي اخترعه ارخميدس لاحقاً حيث كان يستخدم للري في مدرجات حدائق بابل، وبنوا استنتاجهم هذا على الأوصاف التي ذكرتها الكتب القديمة للحدائق والتي ذكرت بأن ري الحدائق كان يتطلب 8,200 جالون من الماء (37,000 لتر) يومياً.

تعدد الاراء في وصفها،يبلغ ارتفاع حدائق بابل 328 قدماً (100 متر)، وهو مايعادل 4/3 ارتفاع الهرم الأكبر، ولقد أحيطت بسور قوي محصن يبلغ سمكه 23 قدماً (7 أمتار)، واتصلت "التراسات" بعضها ببعض بواسطة سلالم رخامية يساندها صفوف من الأقواس الرخامية أيضاً. كما صنعت أحواض حجرية للزهور مبطنة بمعدن الرصاص، ووضعت على جانبي كل تراس و ملئت بأشكال عديدة من الأشجار والزهور ونباتات الزينة المختلفة. ويحتوي التراس العلوي على فسقيات تمد بالماء باقي التراسات وحدائقها، ويأتي هذا الماء من نهر الفرات بواسطة مضخات تدار بسواعد العبيد.

وهناك من يقول . الحدائق ليست معلقه فعليا. بل مجموعة من المدرجات الصخرية الوحدة تلو الأخرى على امتداد أربعة أفدنه علي شكل شرفات معلقة علي أعمدة ارتفاعها 75 قدما وقد زرعت الأشجار والنباتات والزهور في طبقة كثيفة من التربة على كل مدرج من المدرجات الصخرية وكانت تبدو للرائي من بعيد وكأنها معلقة في الهواءوقد بنيت من عقود الحجر النفيس المقدم هدايا للملك وتتكون من طبقات تصلح لمختلف النباتات والأشجار... .

وقد اكتشفت بعض التنقيبات الاثرية حديثا بقايا لممرات مائية كان واحد من أكبرها قرب نينوى ، مما دفع السيدة دالي

للقول انها بدت للناظر من الجو و كأنها امتداد لطريق النقل السريع . كما  وُجد نقش مخطوط قرب الاثار يقول: "سـنحاريب ملك العالم ... وعبر مسافاتٍ واسعة، قمتُ بتوجيه الطرق المائية الى ضواحي نينوى ...".ـ

و بعد ان كانت الباحثة دالي قد تطرقت لنظريتها عام 1992، تقوم الآن بتقديم دلائل ضخمة في كتابها : "ســر جنائن بابل المعلقة" ، الذي قامت مطبعة جامعة أوكسفورد بنشره في 23-5-2013. و تتوقع الباحثة ان ينقسم العلماء الاكاديميون الى فريق مؤيد وآخر معارض. ولكن الدلائل التي توصلت اليها قد أقنعتها بأن حديقة و جنائن الملك سنحاريب  قد استوفت كل الشروط لتكون أعجوبة عالمية .. كما وصفها النص الاشوري بأنها : " رائعة في تصميمها , مذهلة في هندستها، و متألقة في فنها" .ـ.

تقول الباحثة دالي : إن الرأي بأن الجنائن المعلقة كانت قد أنشئت في بابل من قبل نبوخذنصر العظيم هو حقيقة تعلمناها في المدارس و نُشرت في الموسوعات ... مما يجعل فكرة تحدّي حقيقة مقبولة عالمياً كهذه أمرأ في قمة الغطرسة أو نوعاً من التحدي الاكاديمي... ، إلا ان علم الدراسات الآشورية علم جديد نسبياً ... والحقائق التي كانت يوما مثبتة قد تم الاستغناء عنها اليوم".ـ

 

قصر الملك سنحاريب ، حيث صُمِّمت المدرجات  في أرجائه من الاحجار شبه الثمينة .. وشُيِّد له مدخل رئيسي كبير تحرس أبوابه أُسود نحاسية ضخمة،  كان في قمة الروعة. واليوم تمكنت الباحثة دالي من ربط نصوص آشورية تكشف عن حديقة صُممت لتحاكي الطبيعة الجبلية. وتفاخرت الجنائن هذه بمدرجات واسعة وممرات رُفعت أعمدةٌ فخمة على جانبيها، تزينها الاشجار النادرة ، وتنساب الجداول المائية في أرجائها بموجها الهادئ.ـ

العجائب السبع مدونة في نصوص كلاسيكية كُتبت بعد قرون طويلة  تلت بناء الجنائن المعلقة، ولكن مؤرخ القرن الاول جوزيفيس كان المؤرخ الوحيد الذي نسب تصميم وبناء الجنائن الى الملك البابلي نبوخذنصر - كما قالت الباحثة دالي. وقد وجدت ارتباكاً كبيراً وخلطاً باسماء الاشخاص والأماكن في النصوص القديمة ، وبضمنه "كتاب جودث الانجيلي" الذي خلط بين اسمي الملِكين البابلي والاشوري.

بقلم د. فاطمة عباس المعموري

قسم الاثار العراقية القديمة  .

Joomla Templates - by Joomlage.com