الرئيسية / الفعاليات العلمية / أقـدم التـشريعـات القـانونية فـي التـاريخ البشـري

أقـدم التـشريعـات القـانونية فـي التـاريخ البشـري

يعرف القانون بصورة عامة على أنه مجموعة من القواعد و الاحكام  القانونية التي تشرع من قبل سلطة دينية أو سياسية أو أجتماعية ،و تكون ملزمة للأفراد و يجب أتباعها ،و الغاية الاساسية منها لتنظيم المجتمع سياسيا و أقتصاديا و أجتماعيا0
و ان أقدم مصادر معلوماتنا عن القانون البشري قد وصلتنا من العراق القديم و المتمثلة بـ :
1-    الاحلاف و المعاهدات 2- الاصلاحات و القوانين 3- المراسيم الملكية       4- الرسائل 5- الاحكام الصادرة 6- المعاجم اللغوية 7- الوثائق اليومية     8- أحجار الحدود (الكودورو)0
و كانت أصلاحات الأمير السومري(أورو كاجينا):و هو آخر حكام سلالة لكش الاولى ،الذي قام بأصلاحات أمدتنا بتصور عن النظم القانونية التي كانت سائدة في دويلات المدن السومرية بصورة عامة، ،و ان هذه الاصلاحات التي عثر على لوح منسوخ منها في موقع مدينة لكش في بلاد الرافدين قد كتبت بالخط المسماري و باللغة السومرية،تعد أقدم أصلاحات أجتماعية و أقتصادية معروفة حتى الآن،و تعود بتأريخها تقريبا الى حوالي (2355ق0م)0
و أن ملخص تلك الاصلاحات التي شرعها الأمير المذكور، و التي أعاد بموجبها للمعبد أملاكه و أراضيه بل أنه أعاد سلطة المعبد حتى على الأسرة الحاكمة كما ألغى الكثير من الضرائب و خفض الاخرى و منع الموظفين و الجباة من أبتزاز أموال الناس و التسلط عليهم،و منع الأغنياء و المتنفذين من أستغلال الضعفاء و الفقراء ، تتضمن الآتي:
1-    النوع الأول هي أجراءات فورية أستثنائية ذات طابع أقتصادي كان الهدف منها وضع حل عاجل للوضع الاقتصادي المتردي في تلك الفترة و قد شمل هذا النوع من الاجراءات ما يلي :
أ‌-       الغاء أو تخفيض الضرائب
ب‌-   أطفاء الديون في الغرامات المتراكمة
ت‌-  أعادة كل أملاك المعبد
ث‌-   مد جرايات معينة لعدد من المعوزين (المحتاجين)
ج‌-    القضاء على أستغلال الطبقة المتنفذة للطبقة الفقيرة
2-    النوع الثاني من الاجراءات كان ذات طابع مختلف أشبه بطابع القوانين، حيث شمل أقرار قواعد قانونية معينة و لابد أنها كانت من الأعراف أو التقاليد السائدة و منها:
أ‌-       تحديد عقوبة السارق و السارقة
ب‌-   تحديد عقوبة المرأة التي تتزوج بأكثر من رجل في آن واحد0
و يذكر أن سبب ظهور أول أصلاحات أجتماعية  ذات طبيعة قانونية،في سلالة (أور نانشه) على يد هذا المصلح و هو من سلالات ما بعد الطوفان الذي أنتقل له الحكم عن طريق الانقلاب العسكري و يرجح أنه من طبقة الكهنة على الرغم من أن الحكام الكهنة و معهم رجال الدين أيضا ممن سبقوه دأبوا على أبتزاز الثروات و أضطهاد عامة الناس و سيطروا حتى على أملاك المعبد لخدمة مصالحهم الشخصية، و لم يحكم (أوروكاجينا) أكثر من ثمانية أعوام ،و في العام الثاني من حكمه أتخذ لقب (الملك أي (Lugal و كان في بداية الامر مجرد (أمير أي Ensi)، و بسبب الظلم و الفساد الذي كان يعاني منه الناس، فقد شرع الأمير المذكور أصلاحاته الشهيرة و التي تتضمن في أطارها العام مبدأ العودة الى القوانين القديمة العادلة، و يدعي في ديباجة مقدمة تشريعاته أنه فعل ذلك بأمر من الاله (نينكرسو  Ningirsu) اله دويلة مدينة (لكش Lagaš)،و قد حصل الأمير في تنفيذ أصلاحاته على تأييد أهم طبقات المجتمع قوة و عددا و في مقدمتها طبقة المحاربين أضافة الى طبقات جماهير الناس ممن رفع عنهم أضطهاد الكهنة و جباة الضرائب،لذا فقد أنقص الضرائب التي كانت تذهب الى الحاكم و موظفيه و حاشيته و الرسوم الباهضة التي فرضها الكهنة في حوادث الاحوال الشخصية و في مقدمتها الزواج و الطلاق ورسوم الدفن،كما تناولت اصلاحاته تخفيض الضرائب حتى على صغار الكهنة الذين تعرضوا للأبتزاز من جباة ضرائب الحكام الذين يقول عنهم (أوروكاجينا) أنهم كانوا منتشرين في كل مكان ((من أرض نينكرسو الى تخوم البحر))،و عاهد الامير السومري الهه (نينكرسو) بأنه لن يسلم ((الضعيف و الارملة الى القوي))،و شملت تلك الاصلاحات أيضا طبقة الحكام ،فقد وضعت حدا لأستحواذهم على أملاك المعابد،و يتضح من ذلك أن الأمير المذكور كان جريئا و محايدا في تشريع أصلاحاته،فقد حدد سلطة الطبقة الحاكمة التي كان الأمير على رأسها،و عمل كذلك على معالجة الجرائم و تنظيم العقوبات الخاصة بها،و منها جرائم الاحوال الشخصية،مثل تحريم زواج المرأة برجلين في آن واحد و التي ربما كانت تتم في بعض الحالات،و لعل الفقرات الآتية تعطينا فكرة عن تلك التشريعات الاصلاحية،,أذ نقرأ فيها ما نصه:
((اذا أراد وجيه (متنفذ) شراء حمار أو بيت يعود الى فقير فبأستطاعة الفقير أن يطلب الثمن الذي يريده من الوجيه و على هذا أن يدفع الثمن بنقود معتمدة (فضة) و لا يستطيع بأي حال من الاحوال أن يضطهد الفقير اذا رفض البيع،و يذكر أن (أوروكاجينا) قد وصف حالة البؤس التي آلت اليها طبقة العمال و الصناع بحيث انهم صاروا يستجدون الطعام  و يأكلون الفضلات من أبواب المدينة،في حين أن مخازن الحكام و قصورهم و أملاك حاشيتهم كانت تفيض بالخيرات،و أين ولى المرء وجهه،من حدود (نينكرسو) الى تخوم البحر،وجد جباة الضرائب))،ثم يعدد الامير المصلح أعمال السخرة التي كانت تفرض على الفقراء و الضعفاء و حتى المكفوفين منهم من جانب و كلاء الحكام الذين بلغت بهم القسوة أنهم كانوا لايجهزونهم بما يحتاجون اليه من قوت،كما ورد ضمن التشريعات أصدار عفو عام عن المسجونين و الموقوفين بسبب ديونهم السابقة أو بسبب أستحقاق الضرائب التي بذمتهم  للقصر  وللسلطة الحاكمة،كما أبطلت الضريبة التي فرضها الحكام على الرجل اذا طلق زوجته ،و فرضت تشريعات الرجم على السارق،و عزل و كلاء الملاحين و منع الاستيلاء على قواربهم ،وحرم على رئيس الرعاة الاستحواذ على قطعانهم و جعل الامير (أوروكاجينا) سلطة (نينكرسو) تسمو على سلطة الحكام،فكانت بحق تشريعات غاية في العدل و الانسانية تفرد بها المشرع العراقي القديم سبقا تأريخيا و تشريعا قانونيا يحمل في طياته مستوى عالي من روح العدالة للأنسانية جمعاء.
بقلم
المدرس الدكتور حسين عليوي السعدي

شاهد أيضاً

التأثير السياسي للفن الآشوري

لقد سخرت السلطة  الآشورية كل جوانب الحياة و منها الفن لخدمة الجانب السياسي الذي دفع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *